السيد محمد تقي المدرسي
169
من هدى القرآن
تذكرة الإنسان بيوم القيامة ، حيث يحشر المتقون مكرمين إلى ربهم وفداً ، بينما يساق المجرمون إلى جهنم ليردوها ورداً ، وهذه التذكرة ليست تذكرة عقائدية فحسب ، وإنما تخلق أيضاً معادلة في فؤاد الإنسان ؛ ذلك لأنه إذا عرف الإنسان بداية شيء ونهايته ، فإنه يعرفه بصورة أفضل ، وبدون ذلك فإنَّ معرفته تكون ناقصة . وإذا عرف إلى أين تنتهي حياته الدنيا ، وما هو مصيرها فإنه يكون قد حصل على معرفة عميقة بها ، فيتعامل معها معاملة سليمة ، علماً بأن آيات سورة مريم : كما الكثير من آيات القرآن - تهدف فيما تهدف - إلى جعل علاقة الإنسان بالحياة الدنيا علاقة سليمة . وتشير آيات هذا الدرس إلى فكرة نفي الشرك ، وبالذات فيما يرتبط برفض فكرة الولد ، ولعلَّ الحكمة في ذلك أن فكرة الولد هي التي تكمن وراء النزعة العنصرية وهي من العلاقات الشاذة بين الإنسان وبين الآخرين . إن الإنسان الذي يحسب نفسه ابناً لله ، أو يحسب آباءه هكذا ، تكون علاقته بآبائه وجماعته وعشيرته شاذّة ، تتمحور حول ( الشيء ) ، بينما القرآن الحكيم يهدف تحرير الإنسان من العلاقة ( الشيئية ) في الحياة ، سواء كانت العنصرية أو العصبية اللتان هما من أبرز العلاقات الشاذة بين الإنسان وبين الآخرين . أو غيرهما من العلاقات الشيئية التي تخالفها علاقة القيم المعنوية التي تؤكد أنه ليس هنالك علاقة بين الله والإنسان سوى علاقتين ، علاقة الخلقة ، أي إن الله خلقنا ونحن عبيده ، وعلاقة الإيمان والعمل الصالح ، وبالتالي علاقة القيم ، أما أية علاقة أخرى كعلاقة الانتماءات العصبي الجاهلي ، فإنها مرفوضة في الإسلام . يذكِّرنا القرآن بهذه الفكرة ، ثم ينطلق بنا إلى آفاقها البعيدة فتبيَّن أن الإنسان عبد داخر لله ، وأن كل من في السماء والأرض آت للرحمان عبداً ، ويوم القيامة تسقط كل الانتماءات والعلاقات . ويحشرون إلى ربهم أفراداً لا جماعات عنصرية أو عصبية . لنتصوَّر ذلك اليوم . . ولنبرمج حياتنا وفقه . فلان ابن من ؟ أخو من ؟ ينتمي إلى من ؟ لنحذف كل هذه الكلمات من حياتنا ، لكي نرى الحقيقة ، التي تتلخص في أن الإنسان ابن عمله وابن إيمانه فقط ، أما الانتماء الأخرى ، فإنها جميعاً باطلة وليست بحقيقة . وأخيراً تذكِّر الآيات بأن القرآن جاء لكي ينذر الإنسان ، ولكن من الذي يستفيد من نذر القرآن ؟ إنهم المتقون ، أما المعاندون الذين قرروا سلفاً : عدم الإيمان بآيات القرآن ، ولم يخشوا المستقبل ، ولم يهدفوا خلاص أنفسهم ونجاتها من العذاب ، فإنَّ هؤلاء لن يستفيدوا من